الثقافة المرئية
هل تعتقد أن المجتمع ظلم الشباب؟
 

الدخول للبريد الإلكتروني

اسم المستخدم
كلمة المرور
أحصائيات الموقع
عدد زوار اليوم : 85
عدد زوار الموقع : 31731
مجموع الصفحات المقروءة : 43663
 طباعة الصفحة  أرسل لصديق  

الهروب من المدرسة

د. منصور القطري
تاريخ النشر: 03 مايو 2010 -
عدد القرّاء:132

 

الهروب من المدرسة
 
د. منصور القطري
 
عندما تهطل الأمطار يفرح التلاميذ جميعا في بلادي وترتفع أيديهم الصغيرة الناعمة بالدعاء إلى الباري أن يجعل المطر أشد نزولا . وتتم تلك الفرحة في عالم الصغار بمعزل عن مشاعر الكبار اللذين يحملون هم نزول المطر وما يترتب عليه من وعورة الطرقات وامتلاء الشوارع بالمياه وانسداد المجاري! والسر في شعور التلاميذ بالفرح يرجع إلى احتمالية أن تغلق المدارس أبوابها !؟.
نعم إن هذه المشاعر بالكراهية للمدرسة تعتبر مؤشرا قوياً يجب على المفكرين و المهتمين بالتربية الوقوف عنده كثيراً .
*  التعليم وتزييف الوعي الاجتماعي:
لقد ظل ولا يزال التلاميذ يشعرون بأن المدرسة موقع جامد للمعرفة يقبع فيه التلميذ ساعات طويلة يومياً ويدرس لسنوات طويلة فيمتلئ بكم هائل من المعلومات النظرية داخل فصل محاط بأربعة جدران خلف سور رفيع لا يرمز فقط لحدود المكان وإنما يرمز أيضاً لحالة من العزلة والغربة بين المدرسة وما يضج به الشارع الاجتماعي من مشاكل .
لذا لم يندهش ذلك المعلم في مدرسة الأغنياء (أبناء الذوات) عندما قرر أن يفرض على التلاميذ موضوع إنشاء فأمرهم أن يكتبوا حول موضوع ( الفقر )!!. فكتبَ أحد التلاميذ من طبقة الأغنياء الأرستقراطيين ( كانَ ياما كان في سالف العصر والأوان أسرة فقيرة .. الأب فقير والأم فقيرة والأولاد فقراء حتى السائق فقير والطباخ فقير والشغالة التي تخدم الأسرة فقيرة وحارس المزرعة فقير ) ... هكذا تفعل الأسوار المغلقة على فكر التلاميذ .
هذا العصر لا ينسجم مع القوالب الجامدة والأسوار الرفيعة إنه عصر الاقتحام وعصر التخطيط المنفتح على عالم الحياة , ومن المؤسف أن المؤسسة الإعلامية في أنحاء العالم استطاعت أن تحتوي التلاميذ بينما وقفت المؤسسة التربوية عاجزة مشلولة فالمحطات التلفزيونية أخذت تتسابق على كيفية جذب التلميذ والمشاهد في البيوت وجعله جزء من برامجها وأنشطتها . واستطاعت بعض البرامج أن توظف فعاليتها الثقافية والاجتماعية وتقدم المال والجوائز استحوذت بذلك على أفئدة وعقول الصغار !! وهكذا تَمَكنَ جهاز صغير (التلفزيون) من أن يفرض نفسه كمعلم خصوصي داخل المنازل ويزاحم دور المدرسة والمعلم والوالدين والجدة !
مناهج الببغاوات  :
        التكرار والتلقين دليل فاضح لمهزلة لا تزال مستمرة في مدرستنا العربية والسبب يتمثل في غياب المضمون (المحتوى) . لذا فنحن نكرر ذواتنا لأنَ ما نعرفه قليل وليسَ بجدير وهو تجسيد لمقولة ( جوته ) ( كلما تضاءلت المعرفة عندَ الإنسان كلما ازدادَ ولعاً بالحديث عن هذا القليل الذي يعرفه ) ؟
 
        مناهجنا بحاجة إلى غربلة فهناكَ أشياء مهمة يجب أن يتعلمه الأبناء وهناك أشياء غير مهمة يجب أن تلغى وتمحى من الذاكرة لأنها خارج العصر . يقول الفيلسوف (نيتشة) (هناكَ أشياء كثيرة ينبغي أن لا نعرفها لأنها ليست هامة) ؟
        عليه يجب أن لا نستغرب إذا نشرت ( لوس أنجلس تايمز ) تقريراً في ( 23 يناير 2001 م ) تقول فيه : أن حجم المواد التي يدرسها طلاب التعليم في الوطن العربي يعادل أضعاف ما يدرسه الطالب الأمريكي ؟ أي أنَ معدل ما يقضيه الطالب العربي في المذاكرة يفوق معدل ما يقضيه الأمريكي ‍‍! والسؤال ما هي النتيجة ؟
        النتيجة لعلها حاضرة في أذهان الجميع وإفرازاتها المتشظية في كل الأنحاء في الاقتصاد وفي الضغوط على الأسرة وفي إهدار الوقت وفي مخرجات التعليم . وهكذا يضطر الأخوة في ( مصر ) إلى الأنفاق على الدروس الخصوصية بما معدله ( 4 ) مليارات جنية في السنة الواحدة .... إنه التعزيز لثقافة التكرار وكأننا في مزرعة دواجن لتخريج الببغاوات. 
        هنا لا بد من تسجيل ملاحظة تطال التوجه العام للمناهج في بلادنا لأنَ المنهج مربط الفرس أو حجر الأساس في مشروع أي مؤسسة تربوية فمناهجنا قد بالغت في الاعتماد على منهج التلقين والحفظ إلى درجة الإدمان . وهي تقف على النقيض من المناهج الحديثة والتي تقسم موضوعاتها إلى ( مادة , طريقة , نشاط ) ولا تعتمد على المادة فقط كما هو الحال في مدارسنا والتي تختصر المنهج في المادة الدراسية المقررة والكتاب الدراسي . لذا فالمناهج لدينا تعمل على تخريج نسخ كربونية من الطلاب كلهم (متشابهون) أي مصنع للصور الفوتوغرافية .. يحملون شهادات ويتسابقون بسذاجة للوظيفة (خريجون سطحيون) لا يملكون الحد الأدنى من الثقافة والوعي بالحياة .. فبعد الانتهاء من المرحلة الثانوية تقف الفتاة أو الشاب بلا قرار ينتظر من والدية أن يختارا له أو لها القرار بالنيابة ؟! وقد علقَ طه حسين ذات مرة قائلاً  ( إن بناء مكتبة وسدها العجز الذي يعانيه الطلبة خير عندي من بناء جامعة .. فإنَ عشرة طلبة مثقفين خير عندي  من مائة خريج سطحي ) .
إننا نطمح أن تكون المدرسة صورة مصغرة من الحياة يتدرب فيها التلاميذ على حب العمل وسرعة الإنجاز والعمل من أجل تنمية مجتمعاتهم المحلية و أوطانهم والتعرف على حل مشكلات المجتمع والبيئة وكيفية تنمية مواهبهم وقدراتهم الخاصة وأخيراً كيفَ يفكرون باستقلال ويتخذون قراراتهم باستقرار ونضج .
وأختم الحديث بمشهد رائع لأحد الأطفال الصغار عندما سُئلَ  ذلك السؤال التقليدي : ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل ؟ طبيب ؟ مهندس ؟ أم تاجر ؟ ماذا أجاب هذا الطفل والذي تمنيت أن يكون وزيراً للتربية والتعليم لمدة يوماً واحداً فقط ؟ لقد أجاب بما لا يستطيع الكبار التعبير به ...لقد تلفظَ بكلمات موجزة لكنَ لها رائحة الياسمين ولها ضياء قنديل يشع بالشمس .. لقد قال:
( أني أتمنى أن أكون إنساناً مؤثراً في مجتمعي )

التالي السابق