|
مؤسساتنا الثقافية الباردة والاقلام
الجامحة العصية على الترويض ؟؟
د / منصور القطري
ربما لا تكون مصادفة تلك العلاقة العكسية بين رتابة وبرود نشاط المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية وبين انكفاء وهروب الأقلام الشابة الواعدة إلى أدواتها الخاصة في التعبير عن ذواتها المسكونة بالديناميكية في العمل والبراعة في تصميم حراك ثقافي متميز يتسم بعدم قبوله لما يعرض أو يفرض عليه !
شعبنة الثقافة:
بالنظر إلى الحياة الثقافية في وطننا العربي عبر المؤسسات الرسمية يمكن رصد العديد من الإنجازات والأعمال الموزعة هنا وهناك وبمواصفات يغلب عليها مسحة النزعة البيروقراطية ؟ وفي الوقت نفسه يمكن أيضا وبوضوح ملاحظة عزلة هذه البرامج والأنشطة ونخبويتها !؟
اظن إن المواطن العادي بحاجة إلى من (يشعبن له الثقافة) آي يجعلها شعبية تتصل بهمومه وحاجته و تطلعاته فإذا كانت الحاجات المادية (الاستهلاكية) تشبع وتؤمن استمرار حياته فإن الثقافة تلبي حاجات العقل والنفس وهي على حد تعبير عالم النفس (ماسلو) الحاجات العليا للإنسان . إنها تلك الحاجات التي تعمل على تحويل الإنسان من كائن غريزي أسير ربقة (البطن والفرج) كالأرانب والطيور إلى إنسان مبدع منتج له إسهاماته فلا يكون وجوده ودوره على هامش الفعل الحضاري !
ولعله قدر محتوم أن تكون العلاقة بين المثقف ومتخذ القرار السياسي مسكونة بالتوتر والتنازع على مر العصور ؟ والدليل ما نشهده في دول غربية عريقة في الديمقراطية حيث لا يزال يناكف مثقفوها سياسيها فالمثقف بتكوينه منحاز للمثالية وللناس ويكافح لتحقيق تطلعات شعبية قد لا تتوافق تماما مع ما يفرضه الرسميون من خطط وبرامج تقليديةوقلة نادرة من تجتمع فيه صفة المثقف وصفة متخذ قرار او لنقل حكيم وحاكم .
الكتابة عمل انقلابي :
المثقف يراوح بين عموم محيطه الإنساني وبين أمته وقيمه ومثله العليا فهو لا يستطيع أن ينجح في وظيفته إلا إذا ملك حريته و استقلاله بعيدا عن بيروقراطية المؤسسات الثقافية وكان في خطابه ناقدا ومبصرا . والعاقل عندما يتأمل ذلك الرصيد من الكتابات التي شكلت معالم وحدود (دور) المثقف حتما سوف يتريث ويتفهم لطبيعة العصيان والتمرد لبعض الأقلام والطاقات الثقافية وهي تحلق خارج فضاء المؤسسات الثقافية الرسمية ومن أجمل الكتابات التي طالعناها مقال (رائع) للشاعر العربي نزار قباني نشر تحت عنوان (الكتابة عمل انقلابي) عام 1991 في جريدة الحياة اللندنية ولعلي اوصي انه بحاجة للقراءة أكثر من مرة وقد أقتنصنا منه ما يلي " الكتابة عمل يستهدف تغيير هندسة الكون وهندسة الإنسان وعند ما يغيب الشرط الانقلابي في الكتابة ينتهي مبرر وجودها . . لا كتابة بغير تحريض.. وكل قصيدة يكتبها شاعر هي تحريض لغوي على السمو والتمدن والانعتاق والحرية .. الكتابة هي الجلوس لاعلى فراش حرير ولا على سجادة تبريزية ولا على كرسي هزاز .. إنها الإبحار في فضاء من الأسئلة دون أن يكون معك تذكرة للعودة .. الكتابة ليست مقهى نشرب فيه الشاي والينسون وليست اصطيافا على شاطئ (ينس) و (كان) و (جزر الكناري) إنها اشتباك يومي بالسلاح الأبيض ضد القبح والفكر الفاشستي . . الكتابة ليست فعل امتثال ولا فعل رضوخ ولا فعل تنازل ولكنها فعل انقضاضي على كل بشاعات هذا العالم . . من يقول لك أنه كاتب محايد فهذا يعني أنه كاتب ميت . . ليس في الكتابة منطقة منزوعة السلاح أو منطقة حرام أو منطقة تتولى الأمم المتحدة فيها الفصل بين المتحاربين فالكاتب الذي يعلق على جبينه نمرة من نمر السيارات الرسمية يتحول إلى شاحنة لنقل النفايات !!
المؤسسات الثقافية الأهلية والوجاهة ؟:
قامت العديد من المؤسسات الثقافية الأهلية بأحداث قفزة نوعية في نمط نشاطها التطوعي حيث تجاوزت الدور التقليدي المتمثل في تقديم الخدمات(طعام ، كساء ، دواء) انتقلت إلى تفعيل وتنشيط الحركة الثقافية والفنية سواء أكان ذلك عبر إلقاء المحاضرات والندوات او بناء المكتبات ومراكز الابحاث أو غيره من النشاطات المتنوعة . لكن هذه المؤسسات بدأت تكرر وتستنسخ ما تقوم به الأجهزة الثقافية الرسمية المتمثل في تقديم جوائز للمشاهير من الأدباء والمفكرين وصعوبة التواصل مع الناس ؟؟ والخطأ في ذلك أن تلك المؤسسات الأهلية يجب أن تتوجه و تبحث عن طاقات بكر وتبرزها وبذلك تكون مكملة للمشروعات الحكومية عوضا عن التركيز على (النخب) آي المثقفين والأدباء الجاهزين فقط ؟؟ وهو الطريق الأسهل بمعنى أن (الجهد الأهلي) لم يساهم في التكوين والصناعة والتبني . إضافة إلى أن هذه اللقاءات اجتماعيا تشبه جماعات المصلحة(فريق مغلق) يبادل المنافع وغالبا ما يختتم اعماله بتوزيع كتب مجانية على النخب من المثقفين فيتحول (الجهد الأهلي) إلى برتوكول لصالونات أدبية خاصة بطبقة مترفة تمتزج فيها الثقافة بالوجاهة ولا تخلوا بالتأكيد من مساحيق الإتكيت و الدعاية والأعلام !
نعم أن غزارة إنتاج بعض هذه المؤسسات الأهلية ورفدها الكبير للساحة الثقافية قد يغفر لها سلوكها الرسمي لكننا نستلفت انتباه ( القائمين) على هذه المؤسسات بطيئة الحركة إلى أن التمرد والتغريد خارج هذه الدوائر يفصح عن تألق كامن لتلك الطاقات الفكرية والقلمية الشابة والواعدة والتي تشبه إلى حد كبير صوت العصافير عند الفجر فهي.. تبشر ببزوغ يوم جديد..بريئة جريئة ناعمة .... لكن يصعب اصطيادها !!
|