|
بالعودة إلى السنوات القليلة الماضية وعندما كان الوطن حاضراً، شعر الناس برغبة شديد في تأجيج مشاعر الكرامة العربية فاندلعت في حينها تساؤلات ورؤى جديدة في الشأن الثقافي والفني وكانت القضية مقدسة وتعيش في وجدان الناس. لذا انبثقت صيغة فنية ملتزمة تصالحت فيه الثقافة مع الحياة وانعكس ذلك الانسجام على الأمنيات.
العصر الراهن يتطلب من الفن أن يشترك مع الدوران المدهش في ذائقة الجمهور لكي يتمكن من (مسايرة) الفضائيات الحاضرة في كل شيء إلا فيما يخص هموم ومستقبل المواطن العربي؟ ما يجري في الفضائيات من انصراف تام إلى إعداد (ملكة الجمال) واستئجار فضائيات تعمل أربعاً وعشرين ساعة لرصد الآنسات في نومهن وقيامهن وأكلهن وأحاديثهن هو استدراج للوقوع في فخ السائد والسماح للمهنية العالية المستأجرة لكي تُرغم الجميع على استنشاق الهواء الموجع بلا قضية بمعنى آخر أن نؤمن جميعاً بما سماه الدكتور علي شريعتي (نظرية الاستحمار)؟
مع اندلاع "انتفاضة الأقصى" وتزايد حدة العنف الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني المظلوم اضطرت القنوات الفضائية العربية على استحياء إلى تحريك المؤشر أو لنقل ضبط المؤشر (للأغنية السياسية والوطنية) تأكيداً وتماشياً مع مشاعر الشعب العربي ا لغاضبة والمتضامنة مع القضية الفلسطينية هذا الازدهار المؤقت في الكلمة الملتزمة المسموعة أثمر وأينع في مسألة مقاطعة البضائع الأمريكية في الشارع العربي لا سيما (البيبسي) والذي ينقل أن ترجمته (أدفع قرشاً كي تحمي إسرائيل) والقلم يتأوه على الطاولة بعيداً عن المعنى الحقيقي لهذا المشروب (pay every pence save Israel)؟
"الأغنية السياسية" في مرحلة ما ساهمت في دعم وتعميق الشعور الوطني عند الشعوب العربية ومن خلالها تم تحريك الوجدان الشعبي الذي يواسي النفس ويبعث فيها طعم الحرية والنصر ويقدح باباً من الأمل أو على حد تعبير الشاعر محمود درويش (تربية الأمل).
الفن الملتزم في عراك دائم مع الترف الرخيص وقد استفحل منذ علا دخان العولمة الرمادي وأخذ بالتطاير وتداخلت الأشياء حيث أشبع المكان بذراته فلم يترك فرصة لأي شيء آخر حتى اقتحم خصوصيات الشعوب المتألقة وبآلة عصية على الفهم تمكن من القيام بعملية خنق بطيئة للأعمال الفنية الملتزمة على كافة ساحات الوطن العربي.
هذا الانحسار في الفن الملتزم يجعلنا نفهم لماذا يعنون الناقد الإنجليزي جوليان سبالدنج كتابه بـ (كسوف الفن) حيث بدا له حال الفن المعاصر كحالة عتمة كسوف الشمس الذي شمل الأرض لا بالظلام وحده بل بالبرد ومشاعر النهاية الغامضة والصمت المخيف. وتجعلنا نفهم أيضاً لماذا يموت في الغربة الشاعر مصطفى جمال الدين ولماذا تتساقط دموع (مظفر النواب) ولماذا (حميد بن مسلم) كان يشهد مقتل الإمام الحسين دون أن يحرك ساكناً؟ ولماذا لا تتحمل الثقافة الموبوءة وأنصار التطبيع ريشة الفنان التشكيلي الفلسطيني (ناجي العلي) حيث كانت كل رسمة له عملية فدائية في تل أبيب؟ ولعل هناك شريحة أكثر تفهماً ودراية منا ومن القارئ؟
إن أكثر الناس دراية بهذا الانكماش في حجم الإقبال على (الأغنية السياسية والوطنية) هم أصحاب محلات الكاسيت؟ وهم الترمو متر الحقيقي لقياس درجة السخونة والكاشفة أيضاً عن هبوط الاهتمام من قبل الشباب بالفن الجاد إلى ما تحت درجة التجمد؟! خصوصاً أن جورج بوش بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بدأ يوظف الأغنية والأناشيد الدينية والسياسية في الكنائس مع أعوانه ويردد (نحن أمة واحدة تحت الله one nation under god) (نحن نثق في الله we trust in god) (ليبارك الله أمريكا Bless America god)؟؟
كان في كثير من الأحيان يتسرب في دواخلنا الضحك من شدة الألم لمقارنة ومشاهدة الفن الذي يحتقر الفكر وكذلك في ظاهرة استشراء الأغنية الشبابية المدعومة من قبل التلفزيون وأباطرة الإعلام والذي رسم تيار هادر هابط بالذوق إلى بؤرة الرذيلة والشهوات في إيماءاته وتلميحاته. كانت هناك صورة أخرى ملازمة لهذه المقارنة وهي للفنانين الوطنيين (إمام ونجم) الفقيرين بحياتهما والأغنياء بمشاعرهم، ولعل أبناء هذا الجيل لا يعرفون الكثير عنهما، وبالأخص عن ذلك الفنان الضرير الذي عاش ومات في أحياء القاهرة ولم يكن من نجوم التلفزيون ولا يستطيع هذا الجيل فهم ما يقول، (إيه يعني لما يموت مليون . . إيه يعني في العقبة جربنا . . ولا في سينا . . هي الهزيمة تنسينا . . إننا أحرار).
الأغنية السياسية في (هزائم الماضي) كانت تتولد من رحم الإحساس بالألم والوجع ورغم الهجائية التي تقطر سخرية إلا أنها كانت تعلن وبكلمات حادة أن الهزيمة ابن شرعي للفساد وانعدام العدل، وفي الوقت نفسه كانت مسكونة بخصوصية تعمل على جذب الشارع وشحنه وإبقائه في حالة من التوتر المقصود.
(زهرة المدائن) (أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدى) وغيرها الكثير لوحات ومشاهد وارتجالات راهنة تدخل الجميع في الآني والحاضر لكي يستشرف المستقبل. لكن غياب الظرف السياسي الملائم وغياب التطلعات والقوى الحاضنة لها جعل مشروع (الفن الملتزم) يتيم بلا دعم وعزز ذلك مجيء حقبة الرؤية الرمادية للعولمة وانحسار الراغبين في ركوب المغامرة فضاقت الأماكن الفسيحة وآثر الجميع (الهرولة) لتصبح (الأغنية الوطنية) في عهدة فنانات (الفيديو كليب) يهزهزن أردافهن الرشيقة ويغنين آخر الليل للسكارى؟
في المرحلة الراهنة يراودنا بصيص أمل ففي خطوة مسكونة بالجديد ومتمردة على الواقع المتعفن؛ وافق المرجع السيد محمد حسين فضل الله (أستاذ الجيل الواعي) على تلحين ثلاث قصائد من مجموعته "قصائد للإسلام والحياة" يلحنها عبدالغني طليس على أن تقدم بأسلوب جديد للنشيد الديني على التأمل في الإنسان والحياة مستمزجة البعد الفني الإبداعي الذي يتوارى عن الاستهلاك الرخيص، وهي ليست الخطوة الأولى فقد وافق سماحة المرجع السيد فضل الله قبل عشر سنوات على تلحين ثلاث قصائد من المجموعة الشعرية عينها وقام (طليس) حينذاك بتلحينها. القصائد الثلاث الجديدة بعناوين (عندما يكتب تاريخ الحضارة) و (رب مالي أبكي وما لي أغني) و (ثورة الحق). نعم هكذا يزيح سماحته الغبار عن الوعظ الفوتوغرافي ويفسح المكان للجميل المباح لكي يتحرك في الحاضر فلا يؤرق الأرواح الصالحة.
إن ما تبقى اليوم من نتاجات فنية وأدبية ملتزمة لم ينتشر بسبب نوعيته وتميزه الفني والتعبيري بل بسبب اندراجه تحت النصوص التي عبر عنها البعض بـ "أدب النوايا الطيبة" أي الأدب والفن الذي يصدر عن نوايا سليمة وطيبة وإن كان يفتقر إلى مقومات الإبداع. فسر نجاح وانتشار ظاهرة المغني (شعبان عبدا لرحيم) يبرر ما ذكرناه آنفاً فالناس متعطشة إلى التعبير عن ذاتها في قبال التهميش الذي تتعرض له فأصبح الجميع يردد (أنا بكره إسرائيل) وكذلك عندما قدم (شعبان) ملحمته الغنائية الشعبية والتي يلعب فيها الشهيد الطفل محمد الدرة دور البطولة وهو الرمز لمأساة أطفال العرب الذين ذبحوا بالآلة الصهيونية العاتية والتي يقول فيها:
|
لا رحموا دمعك ولا خوفك
|
|
وأنت حاضني قوي في إيدك
|
|
كان الرصاص أسرع مني
|
|
فارق الحياة وهو في إيديك
|
|
قتلوني يابه وأنا في إيدك
|
|
إبنك حبيبك ووحيدك
|
|
لا رحموا دمعك ولا خوفك
|
|
وانت حاضني كده في إيدك
|
|
الذنب من ذنبك يا به
|
|
أن وانت وبلدنا غلابه
|
|
من الرصاص كنت أنا خايف
|
|
كان الرصاص جاي علينا
|
|
زي المطر شايفه علينا
|
|
مرعوبين وبنداري
|
|
حرام عليكم أنا إيه ذنبي
|
|
ليه الرصاص يسكن قلبي
|
|
وأموت في حضن أبويا قتيل
|
|
يا حبيبي يا ضي عينيا
|
|
سامحني أنا مش بإيديا
|
|
قتلوك في حضني يا حبيبي
|
|
الكل شافك على الشاشة
|
|
أنا بس يابه اللي شاغلني
|
|
أن اليهودي اللي قتلني
|
|
كان نفسي أموت مائة واحد
|
|
وأكبر وأدافع عن بلدي
|
|
والناس تقول شوفوا الدرة
|
أخيراً نقول أن الوجع مرير ولكي نحقق مقولة جديدة (أعطني فناً ملتزماً، أعطك شعباً) يجب حشد الجهود لكي نتجاوز الهنات والهفوات فنؤكد بذلك على دور الفن في بناء المجتمع وصياغة اتجاهات شبابية جديدة محرضة على الإبداع وحب الوطن بدلاً من وضع العصي في العجلات فالوطن لنا أولاً وأخرا ولابد للكلمة الحرة من أن تأخذ دورها في بنائه مهما استعصت الأمراض والعيوب.
|