الثقافة المرئية
هل تعتقد أن المجتمع ظلم الشباب؟
 

الدخول للبريد الإلكتروني

اسم المستخدم
كلمة المرور
أحصائيات الموقع
عدد زوار اليوم : 95
عدد زوار الموقع : 31741
مجموع الصفحات المقروءة : 43702
 طباعة الصفحة  أرسل لصديق  

القدرة على تشخيص مشكلات المجتمع

د. منصور القطري                                   عدد القرّاء:497

 

      لو تم توجيه سؤال أو تمت عملية توزيع استبانة تتضمن الآتي : ما هي بنظرك أبرز أو أهم المشكلات الاجتماعية التي تواجه المجتمع ؟ حتماً سيكون هناك تفاوت في الإجابات وفي "إدراك " المشكلات الاجتماعية بحيث لا تتطابق ( الرؤية الذاتية ) للأفراد وحقيقة المشكلات القائمة في الواقع ؟ .
 
      لذا سنتوقف هنا عند إشكالية هامة وذات تأثير مباشر على مسيرة العمل الاجتماعي وعلى طريقة صيانة تنظيم المجتمع وكذلك على مهارة التشخيص في اكتشاف المشكلات الاجتماعية وتحديد " الاولويات " بما ينعكس على النجاح في عملية التخطيط الاجتماعي .
 
          فالتوجهات المعاصرة في ميدان علم النفس الاجتماعي تركز على " الإدراك " في تكوين المشكلة الاجتماعية باعتباره من أهم العناصر فإذا لم يشعر عدد كبير من أفراد المجتمع، بان وضعاً ما غير مرغوب فيه أو أنه إشكالي فلا يمكن اعتبار هذا الوضع مشكلة اجتماعية وبحاجة إلى بذل جهود جماعية لحلها، فالوعي بوجود مشكلة شرط ضروري لاعتبار وضع اجتماعي ما وضعاً إشكاليا؟ .  
 
 
التطابق بين البعدين الذاتي والموضوعي للمشكلة :
      على المستوى الشخصي كل الناس لها زاوية ترى الأشياء بها فتارة يقوم الأشخاص بتقزيم وتحجيم الأمور، وتارة أخرى يقومون بالمبالغة والتضخيم للأشياء ؟، فما يعتبر جميل بالنسبة لك قد يكون قبيح في نظر الشخص الآخر وقد جاء في كتاب ( الموشي ) أو ( الظرف والظرفاء ) تأليف أبي الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الو شاء، ما يؤكد هذا المعنى حيث يروي انه " دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال لها : والله يابثينة ما أرى فيك شيئاً مما كان يقول جميل ؟ قالت : يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك !! قال : وكيف صادفته في عفته ؟ قالت كما وصف نفسه حيث يقول :
     لا والذي تسجد الجباه له                           مالي بمـا دون ثوبهـا خبرُ
ولا بفيها ولا هممت بهـا                           ما كان إلا الحديث والنظرُ
 
        حديثنا السابق يختصر المسألة في بعدها الذاتي والشخصي لكن فهم وإدراك ( المشكلة ) الاجتماعية في بعدها العام يحدده علماء نفس الاجتماع باعتبارها هوة كبيرة بين المعايير الاجتماعية والواقع الاجتماعي أو السلوك الفعلي بمعنى أنه وضع غير مقبول ولا بد من حشد الجهود الجماعية لإصلاحه ومعالجته .
 
      تأسيساً علىذالك نقول هناك بعدان لآي مشكلة هما : البعد الذاتي الذي يستند إلى أدراك الناس وتقويمهم لوضع ما على إنه أشكالي أو ضار والبعد الموضوعي الذي يستند إلى حجم وانتشار الوضع أو السلوك الفعلي الذي يجري تقويمه، لذا نلاحظ التفاوت الكبير بين الناس عند ما يتحدثون عن حجم البطالة والعنوسة والانحرافات الأخلاقية وحوادث السيارات والسرقات ونسب الطلاق والوساطة وغلاء المعيشة وتقليد الغرب وظاهرة الجنس الثالث والزواج بأجنبية والأمية والابتعاد عن الدين .. الخ .  
    
 
الوعي بوجود مشكلة :
       إلى فترة وجيزة لم يجرؤ أحد في مجتمعنا لكي يتحدث عن وجود ظاهرة الإدمان على المخدرات، ثم جاء الضوء الأخضر فتحدث من هب ودب عن الظاهرة إلى درجة أن أحد الفنانين في دول الخليج وهو غير مؤهل للحديث عن قضية سلوكية قام بكتابة النص ثم أخرجه ثم قام بتمثيله !!وفي مجلة عربية كتب أحدهم ماذا يفعل المدمن إذا لم يجد المخدرات ؟ فتناول الكاتب ما يقارب من ثمانية عشر طريقة للشاب في حالة عدم وجود ما يشفي الغليل؟؟
 
         ذلك التخبط في الحديث عن المشكلات الاجتماعية يقودنا إلى التوقف عند مسألة نظرية ومعقدة تواجه دارسي المشكلات الاجتماعية و هي من الذي يحدد وجود المشكلة ؟ وقد ناقش العديد من العلماء ( دور العدد ) في تحديد المشكلة ولم يصلوا إلى نتيجة نهائية، فالعديد من التعريفات تقول أن المشكلة الاجتماعية وضع يرى عدد ( كبير ) أو عدد ( بارز ) من الناس أنه كذلك ، لكن لم يتم التوصل إلى أي أتفاق كمي بخصوص تحديد هذا العدد فهل المقصود أن يرى أكثر من 50% من الناس أنه وضع غير سوي أم المقصود أن تصل النسبة 30% أو 20% أو أية نسبة أخرى ؟، في الحقيقة لا يتوفر لدينا أو لدى غيرنا من الباحثين إجابة حاسمة !.
 
      ولا نرغب هنا أن نرهق ذهن القارئ لكن هناك ثلاثة أركان للمشكلة الاجتماعية ويمكن من خلالها التشخيص وأولها : وجود قيم ومعايير يحترمها أفراد المجتمع، ثانياً :ظهور حالة تشكل انحرافاً عن تلك القيم والمعايير خلال فترة زمنية محددة، وأخيراً وهو الأهم إدراك بعض أفراد المجتمع أن ظاهرة معينة قد جنحت عن الطريق السوي .
 
 
هل الكلمة النهائية للعقلاء :
      لا يزال موضوع تشكل أراء الناس وتبلور قناعا تهم تجاه مسألة ما محل نقاش خصوصاً ذلك الأثر الذي تمارسه وسائل الأعلام وقوتها في طمس أو إظهار المشاكل والقضايا ومن ثم إبرازها إلى السطح الاجتماعي، في هذه العملية الاتصالية الإعلامية يتبلور دور هام وخطير ( للجماعة المرجعية) التي تتوسط العلاقة بين الناس ووسائل الإعلام ؟
 
      بمعنى أبسط أنه كان هناك اعتقاد سائد بين علماء الاتصال ( في الماضي ) يقول بأن وسائل الإعلام تتعامل مع الأفراد بوصفهم أجزاء متصلين بوسائل الإعلام مباشرة وليسوا متصلين ببعضهم البعض، لكن الدراسات الحديثة أثبتت أن ( لقادة الرأي ) و ( النخبة ) في المجتمع دور يوازي وسائل الإعلام .
 
      أهل الاختصاص يعرّفون ( قائد الرأي ) بأنه ذلك الفرد الذي يبذل جهداً للتأثير على الآخرين والذي يتلقى منه الآخرون المعلومة والنصيحة، أو أنه ذلك الشخص الذي يمارس التأثير على أراء الآخرين في مجال معين من خلال الاتصال الشخصي، هذا الطرح يتجاهل الطرف الثاني في العملية وهو ( الجمهور ) ويفترض أن الجمهور مجرد كائن مطيع لكل ما يتلقاه من قادة الرأي!! ثم جاءت أدبيات علم الاجتماع السياسي لتزيح اللبس والخلط في مسألة التأثير على الناس وتقدم لفتات جميلة وجوهرية فيما يخص الفرق بين ( مفهوم النخبة وقادة الرأي ) ؟ .
 
      فالنخبة تمتلك مقاليد القوة بفضل قدرتها التنظيمية وتقديرها لمصادر القوة في المجتمع، وأن الضبط الذي تمارسه النخبة يعتمد على كونها قلة متماسكة تشكل جبهة قوية قادرة على التحدي، وتميز بعض الأدبيات بين نمطين من النخبة : النخبة الحاكمة التي تضم الذين يلعبون دوراً بارزاً ومباشراً في تشكيل السياسة العامة، والنخبة غير الحاكمة التي تتألف من الذين لديهم قدرات ومواهب خاصة ولكنهم ليسوا في مناصب رسمية أو مراكز صنع القرار، وهناك قول " للإمام علي " يحذر فيه من تأثير ( البطانة ) أو الحاشية الانتهازية على متخذي القرار ( اللهم أرزقني حظاً أستخدم به ذوي العقول، ولا ترزقني عقلاً يستخدمني به ذوو الحظوظ ) ! وهكذا يمكننا أن نستنتج أن توجه النخبة عادة ما يكون نحو السلطة والمشاركة في صنع القرار، بينما توجه قائد الرأي دوماً ما يكون نحو الجمهور .
 
      في ختام هذه الوقفة التأملية وبعيداً عن لغة التلقين نطرح السؤال الافتراضي التالي : المشكلات تنقسم إلى ثلاثة أنواع باعتبار وجود جبل جليدي، فالنوع الأول : هو المشكلات الظاهرة وهي التي يكون الجبل فيها ظاهراً بكامله للجميع، إما القسم الثاني : فهي المشكلات البارزة والتي يبرز جزء منها لكن الجزء الأكبر من الجبل الجليدي تحت السطح، وإما القسم الثالث : فهي المشكلات الكامنة والتي يكون الجبل الجليدي بكامله تحت السطح ؟، فمن الذي يقود عملية تشخيص المشكلات الاجتماعية المعاصرة بأقسامها الثلاثة، هل هم ( قادة الرأي ) أم ( النخبة ) أم ( أن وسائل الإعلام) هي التي توجه أنظار الجمهور إلى أوضاع معينة وبذلك تسهم في تكوين الإدراك الذاتي للأوضاع غير المرغوبة ؟ الإجابة تحتاج إلى شيء من التأني بل إلى شيء من التعقل في التشخيص حتى نقف على أرضية صلبة في الرؤية ونمشي في طريق نهاياته واضحة؟؟ فانه في موطن العرجان يعتقد كل واحد أنه يسير مستقيما؟؟

التالي السابق