الثقافة المرئية
هل تعتقد أن المجتمع ظلم الشباب؟
 

الدخول للبريد الإلكتروني

اسم المستخدم
كلمة المرور
أحصائيات الموقع
عدد زوار اليوم : 92
عدد زوار الموقع : 31738
مجموع الصفحات المقروءة : 43696
 طباعة الصفحة  أرسل لصديق  

الرقص معَ الذئــاب (Dances with wolves)

د. منصور القطري
تاريخ النشر: 13 اغسطس 2009 -
عدد القرّاء:707

 

جاءت فكرة هذه المداخلة الفكرية عقب مشاهدة فيلم أمريكي (يعتبر قديما إلى حد ما) الرائع في إخراجه والمتفوق في موسيقاه التصويرية وكذلك طريقة عرضه البارعة لنموذج شخصية الرجل الأمريكي الأبيض والذي تدور أحداث قصة الفيلم فيه عن نمط من الصداقة بينَ هذا الرجل الأبيض وحيوان شرس(الذئب) .. بل ويصاحب هذه العلاقة دفيء عاطفي تصل إلى المشاركة في الأكل والرقص سوياً أنه الفيلم العالمي المشهور.)Dances with wolves(
 
 
 الفن والإيديولوجيات:
وقد يكون من المناسب قبلَ الحديث عن الفيلم أن نعقد مقارنة في أسلوب الدعاية للأيديولوجيات في العصر الحديث حينَ بدأت في عهد هتلر وموسيليني في دعوتهم النازية واستفحلت بشكل واضح أبان الحرب الباردة بينَ الفكر الماركسي وأسلوب الدعاية المتفوق في الإعلام الأمريكي خصوصاً بعدَ تزعم الأخيرة قيادة العالم وسيادة نموذجها الرأسمالي الغربي .
 
        فبعد اختفاء حالة الصراع المعلن بينَ الرأسمالية الغربية وبينَ الشيوعية المدحورة ومن كان يدور في فلكها من تنظيمات وحكومات . بدأ يلوح في الأفق نمط الدعاية البارعة للثقافة الرأسمالية الغربية وقد تجسد في عدة آليات . والحقيقة أنَ هذا الفن لم يكن قاصراً على دولة بعينها بل أنَ جميع المذاهب الفكرية الأخرى كان لها مشوار طويل في ذلك يوحي بأنها استغلت بذكاء وحنكة جميع ألوان الثقافة المختلفة ووظفتها كأدوات للدعاية إلى ايديولوجياتها ونماذجها الفكرية ومعلوم لدى الباحث في ميدان علم النفس الاجتماعي أنه نادراً ما يسلم رواد المسرحيات والسينما أو قراء القصة القصيرة والرواية والشعر من التأثير ناهيك عن ذلك التطور الرهيب في تقنية الأفلام والتلفزة في المرحلة الراهنة .
 
        ونحن هنا لا نرغب أن نتحرك بذهنية تآمرية في تشخيص ألوان الثقافة المستخدمة حالياً لكن لا يستطيع أحد أيضاً أن ينكر القوة التأثيرية الهائلة لهذه الأدوات الفنية على قيم وعادات ومشاعر وأفكار جميع الطبقات من أفراد المجتمع . فإذا قرأنا التاريخ قراءة تحليلية, فإننا نستطيع رصد ما قام به الكّّتاب الشيوعيون أبان الثورة البلشفية حيثُ تمكنوا ببراعة من إلهاب مشاعر الناس بكتاباتهم التي تضمنت غمزاً ولمزاً وأحياناً أخرى الهجوم ضد النظام الإقطاعي أو أنواع الظلم الاجتماعي مما اعتبرَ دعاية هيئة لقيام الثورة البلشفية . لذا فقد فرضت الحكومة حينذاك نوعاً من الرقابة على هذه الكتابات لما استشعرت خطر هذا التثقيف .
 
        وبعيداً عن فكرة الصراع إلا أننا نميل إلى تلك الحقيقة التي تجسد أهداف مصلحية تسعى لها الدول العظمى على سبيل المثال التمييز العنصري في جنوب أفريقيا أو التمييز القائم في أمريكا ليسَ في حقيقته قضية لون بقدر ما هو استغلال أو حالة تمكن فيها الأبيض من الحصول على امتيازات أكبر وبالتالي لا بد من الحفاظ عليها . ونحن رغم ذلك نسميها حرباً عنصرية . كذلك الحال في بعض البلدان التي تكرس الطائفية أو القبلية أو العرقية للحفاظ على هذه الامتيازات , فتسمية الصراع أو صبغة بلون أو إعطاءه عنوان آخر فإنه في نهاية المطاف لا يلغي حالة المواجهة والعراك .
 
 
 إشكالية التواصل الثقافي وطمس الهوية:   
هناكَ نقاش واسع يدور بينَ علماء النفس وعلماء الاجتماع حولَ فكرة التحول الثقافي cultural changeوالمسألة التي يناقشها مثقفينا ومثقفي العالم هي الأقرب حالياً إلى فكرة " الاختراق الثقافي " . ونحن لا نرغب هنا أن نقحم أنفسنا في مفردات أكاديمية حفاظاً على رشاقة العرض ووضوح الفكرة . إلا أنه يهمنا أن نسلط الضوء على طبيعة المرحلة وصدارة النموذج الأمريكي عالمياً لاعتبارات التثاقف أو تحولات مشروع ( القرية الكونية ) . فقوة تأثير النموذج الرأسمالي الأمريكي والذي يستند على مجموعة ركائز فلسفية  مثل قيم الفردية والحرية الشخصية والحياد وثبات الطبيعة البشرية وغياب الصراع الاجتماعي ( منظومة القيم في الفكر الرأسمالي ) كل ذلك يجعلنا نعتني وبشيء من التركيز على مسألة ( الاختراق الثقافي )  او لنقل ولع تقليد المغلوب للغالب.
        هذا التفوق الإعلامي وان شئت سميه الهيمنة الثقافية من قبل أمريكا التي فرضت وقامت  بتنميط السلوك الإنساني وخلق الإنسان ذي البعد و الاتجاه الواحد داخل أمريكا وخارجها جعل الكثير من مثقفينا و مفكرينا يتوقفون عند ذلك التأثير  بالدراسة و التحليل . ونستعرض هنا وبشيء من الانتقاء مجموعة من الآراء المختلفة والداعمة لذلك التوجه فقد علق ( الجابري ) في إحدى كتاباته على مسألة الاختراق الثقافي: إذا كان الصراع الأيديولوجي ولا يزال يستهدف تشكيل الوعي سواء بتزييفه آو تصحيحه فإن الاختراق الثقافي يستهدف السيطرة على الإدراك من خلال الصورة السمعية المرئية سعيا للتأثير في الوجدان و الفكر والسلوك بالعمل تنميط الذوق وقولبة السلوك في أنماط استهلاكية .. انه نمط الحياة الأمريكية والذي يعمم في الوقت الراهن عبر وسائل الإعلام الأمريكي .
 
       والبعض من الكتاب قد جعلوا الأمور أكثر وضوحا ولها طعما خاص لأنها تنطلق من خندق البيئة الأجنبية وبعيون راصدة لمسيرة حالة التثاقف العالمي فهذا المفكر الإسلامي ( روجيه جارودي ) يتأوه مشمئزا بأن العالم مقبل على حرب وصراع دموي وشيك بين هذه الأطراف التي لا تؤمن بشيء سوى المال والكسب المادي وهي تلك الفئة التي معبدها البورصة وصلاتها اليومية (( الإله إلا السوق )) والفئة الأخرى المطحونة الضائعة التي تريد لحياتها معنى أكبر من مجرد صدام بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي وذلك لأن المسيحي الموجود في أمريكا و أوروبا هي مسيحية ملحدة ( الكلام لجارودي ) وفي أغلبها يصلب فيها المسيح كل يوم في سوق النخاسة ..وكذلك اليهودية التي يقودها .. وهي الأخرى أكثر مادية .
 
        ويعلق الدكتور مصطفى محمود في موقع آخر .. بأن أمريكا تلون العالم بثقافتها و فنونها وموسيقاها وأسلوب حياتها .. و الكوكاكولا و الجينز والماكدونالدز والكنتاكي والهامبورجر وموسيقى البوب و الروك والميكي ماوس على لسان أطفال العالم الثالث .. ويضيف الدكتور بـن روسيا قامت من انهيارها لترضع تلك الأبجدية الثقافية في شغف مجنون . . وكذلك مدينة دزني لاند بعجائبها دخلت القلعة الفرنسية واحتلت باريس رغم نفور الفرنسيين من كل ما هو أمريكي ورغم تمسكهم بفرنسيتهم لهذا الغزو الثقافي بكل وسيلة .. أن التفكير بالطريقة الأمريكية والأكل بالطريقة الأمريكية والحياة بالقيم الأمريكية حقيقة نغزو عالم اليوم !! انتهى حديث المفكر الكبير مصطفى محمود .
 
        ومن المفارقات العجيبة أن تنبعث أصوات لها ثقلها العالمي من داخل رحم الإمبراطورية الإعلامية التي لا تغيب عنها الشمس (أمريكا) حيثُ طُرحت مؤخراً وجهة نظر للمفكر والباحث الأمريكي عالم اللسانيات (نعوم تشومسكي) تُفيد أن العولمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام تعزز سيطرة المركز الأمريكي على أرجاء المعمورة . فكأن تشومسكي يؤكد فكرة التعددية الثقافية والتي يعتبرها البعض نتاج للتقدم الهائل الذي أحرزته وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة . فالقطبية الإعلامية الواحدة والتي تفوقت واشنطن بإدارتها قد هزمت ما يدعى بـِ ( ثقافة العولمة ) .
 
إنَ الوضع الإعلامي الحالي يذكرنا لا شعورياً بأيام التوهج والانتشار للفكر الماركسي مع فارق آلية الهيمنة وبراعة الاختراق الثقافي . وقد طالعنا كتاب رئيس البوسنة والهرسك _ علي عزت بيجوفيتش ((الإسلام بين الشرق والغرب ))والذي يتحدث فيه تحت باب الفن والدين رؤية الزعيم الروسي ( لينين) حيث كان يقول أي لينين ( أن الفلم هو أحد أنواع الفنون .. ولكنه أقل أنواع الفن فنية . فإذا كان على الفن أن يخدم شيئا أو شخصا فليكن ايديولوجية أو حكومة .. فإنَ الفيلم أنسب فن يمكن اللجوء إليه ) .
 
ونحنُ لا زلنا في هذا البحث نتناول إحدى مفردات علم اجتماع المعرفة من خلال محاولة فهم كيفية تشكل معارف الأفراد في عصر المعلومات أي الفن والدعاية وبالخصوص الفيلم بوصفة مصدر المعرفة أو بوصفة وسيلة نقل ثقافية . فهذه الوسائل السمعية والمرئية من أفلام عالمية أو مسلسلات أو أفلام كرتون عرفت كيفَ تحرك الساحات وتسبق الإحداث وكيف تصنع من التراث ومن بعض القيم مادة سينمائية جذابة ووجهت الأنظار إلى قضايا مسكوت عنها وقضايا أخرى مفتعله ؟ إنها بحق بوصلة العصر .      
 
 
 الفرزدق يبعث من جديد:
والفيلم الذي نحدد بصدد الحديث عنه هو من الأفلام الخيالية والتي استمدت مادتها من أحداث حقيقية فهذا الفيلم يتحدث عن جندي أمريكي أبيض أثناء الحرب الأهلية حيثُ يقدم الفيلم صورة دعائية لشخصية الجندي المثالي (  Idealistic young civil war soldier ) وهو يضحي من أجل قبيلة من الهنود الحمر ( كبش الفداء في حضارة الرجل الأمريكي الأبيض ) . بل يستطيع بطل الفيلم ........................كيفن كوستنر (  Kevin Costner ) أن يضحي بنفسه من أجل هذه القبيلة يقوم ( كوستنر ) بالرقص على أنغام موسيقى غاية في الروعة معَ ذئب وهو حيوان مفترس . ولا يموت الخيال على الشاشة ولكن شعورياً يموت فينا .. كيفَ أن إنسان العالم الثالث لا يستطيع أن يقيم علاقة سليمة معَ أخيه الإنسان بل ولا يستطيع أن يتراقص معَ عصفور أو دجاجة .. ناهيك عن الرقص معَ حيوان مفترس كالذئب . أو كما قال شاعرنا المعاصر ( الناس في بلادي جارحون كالصقور ... غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر ... وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب ) !؟ هكذا تتراكم الصور والافتراضات السلوكية للأبطال عبر الشاشة ويتم تثبيتها في وجدان المشاهد بينما تراثنا العربي والإسلامي يختزن ثروة هائلة من القصص والنماذج الواقعية التي تتضمن قيم إنسانية وجمالية وصور بطولية لشخصيات وطنية وأدبية غاية في الروعة والرقي وبها مادة سينمائية تغني المخرج والمنتج العربي ورجل الأعمال العربي عن الاستيراد والاستهلاك . ولازلنا ننتظر كاتب بارع يصوغ سيناريو شجاع يحدثنا عن القصة الواقعية التي استوقفتني كثيراً وهي للشاعر العربي الكبير ( الفرزدق ) عندما كانَ خارجاً من الكوفة قاصداً زيارة يزيد بن المهلب .. وكانَ معه بقية من لحم ذبيحة معلقة على بعيره , وعندما دخلَ الليل واستغرقَ في النوم. استيقظَ فجأة على رغاء بعيره وحركة غير طبيعية .. وعندما أفاقَ وإذا بذئب جائع أتى لينهش اللحم من على جانب البعير , فقامَ الفرزدق وأخذَ يقطع له اللحم حتى شبع .. فنشأت بينهما علاقة حميمة كلها ألفة .. فأخذَ يسير وراءه أينما ذهب بعد أن جاءه جائعاً مستجيراً , وهنا يغرد الفرزدق معَ طيور الصباح بهذه الأبيات:
دعوتُ بناري موهناً فأتاني
وأطلس عسال وما كان صاحباً
وإياكَ في زادي لمشتركاني
فلما دنا قلتً : أدن دونكَ أنني
على ضوء نار مرة ودخانِ
فبتُ أسوي الزاد بيني وبينه
 
 الفرزدق بالتأكيد لم يسمع عن سينما الخيال العلمي وعن مساحة العاطفة التي تضيق وتتسع في أفلام هوليوود ابتداًء بفيلم الرقص معَ الذئاب وانتهاءً بفيلم رامبو والتي تصيب المتفرجين بهستيريا الإعجاب بالنموذج الأمريكي ؟

        ختاماً أقول .. أننا نملك تركة ضخمة , فنحنُ نمتلك ألحمزة , والفرزدق .. وعمر المختار , وكل ما نحتاج إليه هو من يغوص عميقاً لينبش تراثنا ويستخرج هذه النماذج لأن بحر تراثنا يتفجر باللؤلؤ وبالشخصيات العبقرية ومن ثم يتسلح بأدوات فن اللعب في ساحة ( ثقافة العولمة ) . أن عمليات غسيل المخ وإعادة صياغة الاتجاهات القيم لا تتم عبر أريكة المحلل النفسي في عيادات الطب النفسي ! أنها تتم الآن وفي هذه المرحلة عبر الشاشات وعبر ساحات متنوعة تتناغم معَ عصر المعلومات ‍‍‍!!      


التالي السابق