الثقافة المرئية
هل تعتقد أن المجتمع ظلم الشباب؟
 

الدخول للبريد الإلكتروني

اسم المستخدم
كلمة المرور
أحصائيات الموقع
عدد زوار اليوم : 85
عدد زوار الموقع : 31731
مجموع الصفحات المقروءة : 43667
 طباعة الصفحة  أرسل لصديق  

الحوار السني - الشيعي والابتزاز الإعلامي

د. منصور القطري
تاريخ النشر: 13 اغسطس 2009 -
عدد القرّاء:273

 

      ماذا عسى المواطن أن يفعل تجاه الشحن الإعلامي الطائفي على الفضائيات وهي تحل ضيفا مفروضا في المنازل ؟ ومن المسئول عن تبعات تلك الحوارات والغمز واللمز في العديد من الفضائيات وانعكاساته السلبية على الواقع الاجتماعي؟ كيف نستطيع ترميم تلك الهفوات الإعلامية بحيث لا تتأثر العلاقة بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة سلباً وتظل متماسكة خالية من الهواجس وسوء الظن؟
 
      إننا من الذين يعتبرون ما يحدث ليس حواراً لأن الحوار له شروط وأدبيات، لذا فنحن هنا بصدد تسجيل موقف ندين من خلاله الطريقة التي يتم بها الحوار لاعتبارات إسلامية ووطنية. إننا في هذه المرحلة الصعبة بحاجة إلى نماذج سلوكية وحوارات إسلامية راقية على غرار ما قام به العلامة الشيعي محمد جواد مغنية والعلامة السني محمود شلتوت، اللذان كانا يجلسان مع بعضهما على بساط الأخوة الإسلامية بلا تصنع بحيث كانا يجتمعان في مصر في جو مشبع بالحميمية والود وكان الحديث بينهما يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، فكان كل منهما يحترم فقه الآخر وتراث الآخر وكانا يعيشان والقواسم المشتركة تتفاعل وكانت فلسطين في قلب كلاهما رغم أن هذا ينهل من الركام الثقافي الفقهي للأزهر وذاك ينهل من مؤسسة النجف ذات الألف عام.
 
      إننا نخشى أن يقحم الدين في صراع اللعبة الإعلامية بحيث تُسطح القضايا ويُعزز التنميط stereotyping  على مستوى عقلية المواطن العادي بمعنى أن يرسم المواطن نهايات جامدة وسلبية من خلال الإثارات الطائفية (السنة نواصب يكرهون أهل البيت - الشيعية روافض يسبون الصحابة)؟! بحيث تشكل هذه النهايات المغلقة ثقافة تحتية لعلاقات الناس في مجتمعاتنا والذي يجعلنا على المدى البعيد نقف على أرضية هشة من البناء الوطني. والحقيقة أننا لسنا ضد الحوار بل نحن من المؤيدين للحوار والتواصل الفكري ومن الداعين له ولكن ليس بالأداء والكيفية التي تتم.
 
 الجميع يعلم أننا كمسلمين نمتلك رصيد حضاري في علم وأدب البحث أو ما يعرف بأدب المناظرة والعلماء منذ القدم قد دعوا إلى ضبط المناظرات عن طريق ما أسموه (تحرير الخلاف) أي تحديد نقاط الخلاف وجدول الأعمال، وتاريخنا الإسلامي مزدهر بالمناظرات بين الفقهاء من مختلف المذاهب، وللإمام الشافعي مناظرة شهيرة تتردد في مختلف كتب الفقه مع إسحاق بن رهاويه ويذكر الشيخ محمد الخضري في مؤلفه (تاريخ التشريع الإسلامي) أنه في القرن الرابع الهجري لم تكن هناك مدينة في العراق أو خراسان تخلو من مجالس المناظرة بين العلماء التي كانت تعقد أمام الوزراء والكبراء وأحياناً كانت تجرى المناظرات في مجالس العزاء ولعل الفضائيات المذكورة كانت في غفلة عن هذا التراث الراقي وهذا الرصيد الأخلاقي المتميز.
 
      في هذه المرحلة نرغب أن ننبه النخبة المثقفة السنية/ الشيعية أن لا تقع في الفخ الطائفي فقد كان لنا في تجربة حرب الخليج الأولى دروس وعبر حيث استخدمت الطائفية بشكل مقنن. في هذه المرحلة قد يضغط عوام (السنة/ الشيعة) باتجاه تصعيد لغة الاتهامات وقد تنسجم العامة من الناس مع ذلك النمط من الحوار الذي يجري وتقوم بترديد وإضافة مفردات جديدة تشغل معارك جانبية تؤجج حالة من الجهل والتعصب والغفلة مما ينعكس سلباً على طبيعة العلاقات بين المسلمين وبين أبناء الوطن الواحد على المدى البعيد لكن لا يجب علينا أن نستسلم (لسلطة الشارع أو بوليسية العوام).
 
      إن التقدم والتحضر ليس ضربة حظ ولكنه فعل وإنجاز من قبل (الطليعة الواعية) التي تعمل على خلق مناخ يهيئ لثقافة الحوار. نحن مقتنعون بأن الحوار الهادف خطوة هامة باعتبارها قيمة عليا في المجتمع وباعتبارها خياراً استراتيجياً لتعايش الأمة الواحدة، بحيث يتوافر للمتحاورين منابر تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم والمشاركة بصورة حرة وإيجابية وليس من مصلحة الحوار ولا من مصلحة الوطن أن يتحول أطراف الحوار إلى مادة إعلامية في يد الفضائيات التي تخفى علينا غاياتها ومرجعيتها الفكرية في ظل أجواء التنافس الإعلامي المحموم والتي قد تكون امتداد لبرامج الإثارة والدخول في لعبة كيف تستقطب أكبر عدد ممكن من المشاهدين حتى لو كان على حساب قضايانا المصيرية ووحدة الأمة في عملية تشبه الجلوس على الرؤوس المقطوعة.
      على افتراض صحة ما ذكرناه سابقاً نكون قد وقعنا في كمين (فساد النخبة الإعلامية في الوطن العربي) وذلك بسبب وجود الكوادر المثقفة والطاقات القلمية الذين يتواجدون ويقفون وراء كل محطة فضائية - العقل المفكر - فنحن لا نعاني من مشكلة الأنظمة الشمولية فقط بل إن جزء من أزمتنا الحقيقية هي في وجود بعض النخب المثقفة القلقة على مصالحها و شهوة حضورها الإعلامي ( أكاديميون وعلماء دين ...الخ ) فتبحث عن المكسب الدعائي وتوسيع قاعدتها الشعبية على حساب النتائج في الواقع الميداني المعاش.
 
      لمصلحة من يفتح جرح الخلافات السنية الشيعية وبطريقة استفزازية يمس خلالها وبأسلوب سوقي مقدسات كل من الطرفين؟ ألا يعتبر ما حدث نوع من التراجع أمام الخط الذي بدأه الشهيد حسن البنا الذي أطلق فكرة الوحدة الإسلامية الحركية فيما بين الشيعة والسنة عندما طرح الشعار الذي يقول (نلتقي فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)؟ هذا التراجع أو النكوص يستوجب من المثقفين المخلصين أن يقولوا كلمتهم فيما يحدث بهدف تصحيحه لا دفعه وتشجيعه والذي ينتج عنه المزيد من الانفصال والانعزال بحيث لا يلتقي فيه الإنسان المسلم بأخيه المسلم ولا يعرف عنه إلا من خلال الإشاعات والكتب الموجهة التي تحاول أن تشوه الصورة ولا يفسح في الوقت نفسه المجال لكتب أخرى تتولى التوضيح.
 
      هناك أسئلة كثيرة مهمة ومركزية يجب على العلماء والمثقفين الوقوف عندها حتى ينقدح حوار إيجابي وبناء منها على سبيل المثال: لماذا تراجعت علائق السنة والشيعة عما كانت عليه قبل نصف قرن مضى؟ لماذا حماس العلماء للتقريب في الأربعينيات أكبر منه الآن ونحن على أعتاب الألفية الثالثة؟ هل السبب في برود حركة التقريب هو تراجع الهامش الديمقراطي في الوطن العربي وتعاظم دور الدولة؟ لماذا دعاة التفريق ما زالت تجد من ينصت لها؟ هل تراجع استقلال العلماء وانكمش دورهم داخل الدائرة الرسمية فقط؟ أين تلك النخبة من العلماء الذين سعوا في الأربعينيات من أجل التقريب أمثال الشيخ شلتوت رحمه الله والذي ينسب إليه أنه من مؤسسي جماعة التقريب بين المذاهب بحيث أصدرت جماعة التقريب مجلة جامعة باسم (رسالة الإسلام) والتي ظلت تصدر طيلة أربعة عشر عاماً كما أن الجماعة اعتمدت تفسيراً للقرآن اجتمع عليه علماء السنة والشيعة وهو (مجمع البيان لعلوم القرآن) للطبرسي الذي استغرق تهيئته للنشر مدة عشرين عاماً وأشرف على هذه العملية ثلاثة من أكابر علماء الأزهر وهم الشيوخ: عبدالمجيد سليم، ومحمود شلتوت، ومحمد المدني. كما كانت لهم محاولة في تجميع الأحاديث المتفق عليها بين السنة والشيعة ولعل تلك المحاولة تنتظر من ينذر النفس لها حتى ترى النور؟! لماذا لا نتقبل الخلاف الفكري ما دام في دائرة معقولة ونرحب بالخلاف المذهبي باعتباره وليد آراء اجتهادية مرجعها الكتاب والسنة وننظر إلى الاختلاف الفقهي على أنه مفخرة للمسلمين لأنه دليل خصوبة في التفكير وسعة في الأفق؟ وهل من اللائق أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا الاستهتار الإعلامي؟
      نقول ربما نكتشف مذاقاً حلواً حين نكون في مواجهة مع (سلطة الإعلام) يفوق المذاق المر لهذه العلاقة حين نكون مهمشين وخاضعين له! وربما يكون من الأفضل أن نعمل على تخفيف سلبيات التفخيخ الطائفي والقبلي كخطوة أولى في طريق الوحدة ولا نقصد بالوحدة أن يتنازل أي من الطرفين عن مبادئه بل كما عبر محمد حسين آل كاشف الغطاء حين كتب في مجلة رسالة الإسلام نداء إلى المسلمين يقول فيه: من المقطوع به أن ليس المراد من التقريب بين المذاهب الإسلامية إزالة أصل الخلاف بينها بل أقصى المراد وجل الغرض هو إزالة أن يكون هذا الخلاف سبباً للعداء والبغضاء.
      لا شك أن هناك خطوات عملية يقتضي الموقف الإيجاب الديني والوطني طرحها ومباشرتها على سبيل المثال إحياء اللقاءات والندوات المشتركة بين العلماء لمختلف المذاهب بهدف تحريك مياه الوحدة الإسلامية الراكد منذ سنوات كما أن خط العلاقات الشخصية بين العلماء السنة والشيعة يشكل عنصراً هاماً حتى تخرج معطيات تلك اللقاءات من أجواءها الرسمية والبروتوكولية.
 
      كما يجب التذكير بسلم الأولويات وتقديم القضايا المركزية في حياة الأمة والابتعاد عن الاعتراك الجانبي فعندما نتوجه إلى قلب قضيتنا المركزية (القدس) سوف تتوحد قلوب الأمة لأن العدو الإسرائيلي (الآلة الاستعمارية العاتية) يوجه رصاصه إلى يحيى عياش السني وإلى على أشمر الشيعي ويغتال العدو الإسرائيلي فتحي ا لشقاقي زعيم حركة الجهاد السنية وفي الوقت نفسه يغتال عباس الموسوي زعيم حزب الله الشيعي. إن الرصاص الإسرائيلي لا يميز السني والشيعي لأنهم في حالة مواجهة معها ولكن الرصاص الإسرائيلي يستثني من يغذي الطائفية لأنه يخدم أهداف إسرائيل ويتواطأ مع مشروع الفوضى الخلاقة في منطقتنا الحساسة .
      وأذكر الجميع بقول الشاعر العربي:يا تلاميذ غزة .... علمونا بعض ما عندكم فقد نسينا!!
       

التالي السابق